• أرشيف المواضيع

  • التصنيفات

  • أضفنا

    Bookmark and Share

الحالة الدينية في مصر قبل الفتح الإسلامي

تكلمنا في مقال سابق عن الحالة الدينية في مصر حتى عام 381م، ووصلنا إلى أن غالبية المسيحيين المصريين ما كانوا يعتقدون بالتثليث، بل كانت لهم الريادة في محاربة هذا المذهب، كما يشير إلى ذلك ظهور مجموعة مصرية محلية عام (358م) كانت تنكر على من يقول بألوهية الروح القدس، وترى أن الروح القدس ليس من جوهر وطبيعة الآب والابن وليس شبيهًا بالابن، لكنه من الكائنات التي أُوجدت من العدم، وأنه خليقة. وهو ملاك من الملائكة، وإن كان أرفع بدون شك وأكثر جمالاً من بقية الملائكة، لكنه لا يختلف عنهم إلا في الدرجة. وقد سمها المخالفون لها بـ”التروبيك” وهي كلمة يونانية تعني اللعب على الألفاظ وتفسير الآيات بغير موضعها.

واستمر ذلك الوضع حتى دخل 380م وجاء الإمبراطور ثيودوسيوس إلى الشرق فخلع الأسقف الأريوسي ديموفيلوس وأعلن الإيمان الأرثوذكسي في الإمبراطورية وسلّم غريغوريوس الكنيسة الرئيسة في القسطنطينية. وفي عام 381م عقد المجمع المسكوني الثاني وقد بدأ كمجمع محلي، ولم يتم الاعتراف به كمجمع مسكوني إلا في القرن الخامس. وحضره (148) أسقفًا من رجال الكنيسة وأبعد منه الأساقفة الأريوسيين. وقد حصل بسبب ذلك المجمع مشكلات وتعقيدات كثيرة حيث إن أغلب إبرشيات الغرب ـ بما فيها روما ـ لم تُدعَ إلى المشاركة فيه.

تحريم المذهب الأريوسي

ثم جاء بعد الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني (401 – 450 م) وقد أصدر في عام 428 أمرًا باستئصال الأريوسية وإبادتها بموجب قانون تقرر في المملكة الرومانية.

وعلى الرغم من هذا فقد استمرت الأريوسية لقرنين من الزمن وخصوصًا بين الشعوب الجرمانية التي كانت قد بُشِّرَت عن يد مُرسَلين آريوسيين. وهذا أمر طبيعي فالعقائد والأفكار سواء أكانت صحيحة أم خاطئة لا تندثر فجأة كما لا تزدهر فجأة.

ظهور فرق ومذاهب جديدة

وقد ظهرت إلى جانب الأريوسية مذاهب وأفكار أخرى قريبة منها، وربما كان ذلك محاولة للتقريب ما بين الأريوسية التي تنكر ألوهية المسيح عليه السلام والأرثوذكسية التي تثبتها، فظهرت النسطورية ففي رسالة ليوحنا أسقف أنطاكية، يؤكد نسطور أنه في وقت وصوله إلى القسطنطينية وجد خصومًا (متضادين) موجودين فعلاً. لقّب أحد أطرافهم القديسة العذراء بلقب “والدة الإله” وآخر بأنها مجرد “والدة إنسان”. وحتى يتم التوسط بينهما قال: إنه اقترح عبارة “والدة المسيح”. معتقدًا أن كلا الطرفين سوف يرضى بها. ويعتقد نسطور أن اتحاد اللاهوت بعيسى الإنسان ليس اتحادًا حقيقيًا، بل ساعده فقط، وفسر الحلول الإلهي بعيسى على المجاز أي حلول الأخلاق والتأييد والنصر.

وقال في إحدى خطبه: “كيف أسجد لطفل ابن ثلاثة أشهر؟” وقال: “كيف يكون لله أمّ؟ إنما يولد من الجسد ليس إلا جسدًا، وما يولد من الروح فهو روح. إن الخليقة لم تلد الخالق، بل ولدت إنسانًا هو آلة اللاهوت, ويقول المؤرخ سايرس ابن المقفع في كتابه “تاريخ البطاركة”: “إن نسطور كان شديد الإصرار على تجريد المسيح من الألوهية إذ قال: إن المسيح إنسان فقط. إنه نبي لا غير”.

وقد عقد في أفسس 431م مجمع قرر عزله ونفيه فنتقل من منفى إلى آخر لاستمراره في نشر دعوته حتى تم نفيه إلى أخميم بصعيد مصر عام 435م.. وظل يبث تعاليمه وأفكاره إلى أن نفي في الواحات المصرية, حيث منطقة الواحات منعزلة تمامًا عن العالم الخارجي. وذكر ابن المقفع أنه عند نفيه أرسل له البطارقة أن إذا اعترف بأن المصلوب إله متجسد فسوف يعفون عنه، فيقول ابن المقفع: “فقسا قلبه مثل فرعون، ولم يجبهم بشيء”.

وهذا يؤكد انتشار مذهب المسيحيين الموحدين بين عموم المصريين قبل دخول الإسلام مصر بأقل من مائتي عام الانشقاق بين القائلين بألوهية المسيحثم عقد مجمع خلقيدونية عام 451م الذي وقع فيه الانشقاق بين أصحاب المذهب الأرثوذكسي (الذي يقول بألوهية المسيح ) وأدى إلى انفصال كنيسة الإسكندرية عن كنيستي بيزنطة وروما، وقد كان الأباطرة دائمي التأييد لهما، مع معاداتهم واضطهادهم لكنيسة الإسكندرية. وكان من أثر ذلك أن نُفي بابا الإسكندرية في ذلك الحين، وظل ذلك الاضطهاد حتى الفتح الإسلامي لمصر، حتى إن عمرو بن العاص حين فُتِحَت له مصر كان البابا بنيامين بابا الكنيسة المصرية في المنفى.

إن الخلاف الذي وقع بين أصحاب المذهب الأرثوذكسي قد خفف من حدة الاضطهاد لأصحاب المذاهب الأخرى وشغلهم بأنفسهم عن محاربتهم لأصحاب المذاهب الأخرى ومنهم أتباع أريوس القائلين بعدم ألوهية المسيح. فلما جاء المسلمون إلى مصر وجد أصحاب المذهب القائل بعدم ألوهية المسيح أن المسلمين متفقون معهم في أصل العقيدة فدخلوا في الإسلام، وبقي الآخرون على ما هم عليه. تلك حجتنا من جهة النقل والتوثيق التاريخي، أما من جهة النظر العقلي والمنطق فلعل الله ييسرنا لنا بيانه لاحقًا.

وبعد فهل تهدأ النفوس وتسكن القلوب؛ فتجف الأقلام عن الإثارة وتمسك الألسنة عن قول الزور، وتسمع لصوت الحكمة فتوأد الفتنة، فالمسلمون لم يأتوا من الجزيرة ليأخذوا حق أحد أو يضيقوا عليهم في ديارهم وإنما هم أصحاب الوطن بغض النظر عن صحة مذهبهم من عدمه. وثم أمر أخير؛ هل تغير الفكر أو المذهب أو العقيدة يعني سحب الجنسية؟!!وقد كان أهل مصر يدينون بالوثنية قبل المسيحية، بل ظلت لهم بقية حتى دخول الإسلام. بل إن المسيحيين من أصحاب مذهب التثليث قاموا بهدم معابد المصريين الوثنيين والاستيلاء على بعضها وأقاموا كنائسهم وأديرتهم فيها. وإن كان الانتقال من دين لآخر يعنى إسقاط الجنسية فأين هي حرية العقيدة وحرية الفكر إذًا ؟!!!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: