• أرشيف المواضيع

  • التصنيفات

  • أضفنا

    Bookmark and Share

يـُوتـا ابن العبيطة – 1

د / إبراهيم عوض

uu

منذ فترة قصيرة ظهر كتاب عنوانه: “تَيْس عزازيل فى مكة” خَطَّهُ بحافِرِه تيسٌ من التيوس ينتمى خطأً إلى جنس الإنسان يُدْعَى: “يوتا ابن العبيطة”، افترى فيه على النبى الكريم الافتراءات السافلة الكاذبة وتناول عِِرْض أمه الشريفة بالسفالة والبهتان تصورا من هذا السفيه الواطى أنها من نفس النوعية التى منها أمه، وقال إنه ألف هذا الكتاب ردا على اضطهادات المسلمين للنصارى وتطاول علمائهم على دينهم. وفى مقدمة الكتاب نراه يهديه إلى الدكتور زيدان والدكتور زغلول النجار على النحو التالى: “اهدي هذه الرواية الي الدكتور يوسف زيدان مؤلف رواية عزازيل واهداء خاص الي زغلول النجار”. وهذه بعض الملاحظات التى عَنَّتْ لنا وَسْطَ ما نشعر به من إرهاق الصيام فى هذه الأيام المفترجة:

وأول ملاحظة هى أن رواية “عزازيل” التى ألفها الدكتور زيدان قد فضحت الكنيسة وبينت أن شعارات المحبة والوداعة والمسكنة هى شعارات كاذبة لا تصمد أمام حقائق الواقع المرعبة من تقتيل وسحل وسلخ وإحراق للمخالفين وإفناء لهم كما فعلوا مع الفيلسوفة الإغريقية السكندرية هيباتيا واليهود فى القرن الخامس الميلادى بتحريض من كيرلس أسقف الكنيسة الأرثوذكسية، وكما فعلوا مع المسلمين واليهود بالأندلس حين تمت لهم السيطرة هناك فى أواخر القرن الخامس عشر، وكما فعلوا فى بيت المقدس أثناء الحملات الصليبية، وكما فعلوا مع الهنود الحمر فى الأمريكتين، وبالذات فى أمريكا الشمالية، كما بينت الرواية أن عقيدة النصرانية فى المسيح تبعث على الاضطراب والحيرة وتدفع بمن يُعْمِلون عقولهم إلى ترك النصرانية جملة، وأن الرهبنة نظام غير إنسانى يضاد الفطرة البشرية وينتهى بممارسيه إلى مقارفة الفواحش والارتكاس فيها. وما أخبار العلاقات المحرمة بين الرهبان والراهبات وأولاد الزنا الناتجين عن تلك العلاقة بخافية عن النصارى، إلا أن أحدا لا يتحدث عنها رغم المصائب المتلتلة التى تترتب عليها، فضلا عن الفضائح التى يأتيها القساوسة مع النساء والغلمان فى قلب الكنيسة ذاتها كما هو معروف لجميعهم، ومع ذلك يسكتون فلا يفتحون الموضوع خوفا من تنفير شعب الكنيسة منها كما يُفْهِهم القساوسة والأساقفة.

كذلك فإن كتابات الدكتور زغلول النجار فى الأهرام وأحاديثه فى التليفزيون تبرجل عقولهم لأنها تبرهن كل يوم لكل من عنده عقل أو ألقى السمع وهو شهيد على صلابة العقيدة الإسلامية عن طريق بحوث العلم الحديث وكشوفه، وكان من جراء ذلك أن أسلمت وفاء قسطنطين زوجة كاهن أبو المطامير، وهو ما طير النوم من أعينهم نظرا لمركز زوجها الدينى. كما أنه هو الذى أثار الشبهات حول مقتل تلك السيدة بيد الكنيسة ودعا إلى التحقيق فى ذلك، ففقد القوم صوابهم تماما

تطاوُل يوتا ابن العبيطة على الرسول سَبَبُه أن دين النبى  العظيم هو الدين الوحيد الذى قصم ظهر النصرانية وأخذ منها أحسن البلاد التى كانت تعنو لها فأخرجها من ظلام التثليث والتصليب والتجسيد إلى نور التوحيد والتنزيه والتجريد، ولم يستعمل فى ذلك إكراها ولا ترويعا كما تصنع الكنيسة، ولم يلجأ إلى التعذيب والإبادة على طريقة النصارى فى كثير من البلدان، ولم يعرف طوال تاريخه محاكم التفتيش. وهذا الأمر يؤرق الكنيسة ويملأ قلوب رجالها بالغل والحقد والصديد العفن المنتن، إلا أن قوة المسلمين لم تكن تترك لهم فرصة للسباب والبذاءة، أما الآن فإن القوم يظنون أن ساعة الإسلام قد حانت. لكن عندما يفيقون من أحلامهم السفيهة مثلهم وتروح السكرة وتجىء الفكرة فعندئذ يصبح لكل حادثة حديث. ولسوف يعضون بنان الندم ويقولون: “حَقّنا برقبتنا”، ولكن بعد فوات الأوان. وإنا لمنتظرون ومتربصون يا ابن العبيطة، ولسوف ترى ونرى!

التطاول والتباذؤ فى حق سيد الأنبياء والمرسلين ليس وليد اليوم، بل ابتدأ على أيدى النصارى مبكرا جدا بمزاعمهم الكاذبة حول بحيرا وسُكْر الرسول وانطراحه على كوم زبالة وأكل الخنازير جثته وعبادة المسلمين ثلاثة أصنام… مع أن المسلمين لم ينالوا من المسيح ولا من أمه أو حوارييه منالا، إن لم يكن بدافع الأدب والتهذيب فلأنهم مأمورون بالإيمان بجميع الرسل والنبيين واحترامهم وتبجيلهم وعدم المساس بهم، وإلا خرجوا عن مقتضى ذلك الإيمان، والمسيح واحد من هؤلاء الرسل والنبيين.

زعم يوتا ابن العبيطة أنه إنما الف حدوتته الركيكة ركاكة عقل أبيه وأمه ردا على رواية يوسف زيدان، وكل إناء بما فيه ينضح. لكن زيدان لم يجرّح عرض أحد من رجال دينهم أو يسبّه، فضلا عن أنه لم يتطرق إلى سيدنا عيسى من قريب أو من بعيد، ولم يفعل شيئا سوى رصده للاختلافات التى نشأت بين الأساقفة الأولين والانشقاقات الكنسية التى ترتبت على هذا. فأين هذا مما تورط فيه يوتا ابن العبيطة من شتم النبى والكذب عليه واتهامه هو وأمه وزوجاته وصحابته أبشع الاتهامات؟

يزعم ابن العبيطة أن قلة أدبهم إنما هى رد على إيذاء علماء المسلمين لهم كالشعراوى وزيدان والنجار، مع أن أيا من هؤلاء لم يلجأ يوما إلى الشتائم أو البذاءات، وكل ما فعلوه هو إبداء رأيهم فى النصرانية بمنتهى الهدوء. وحتى حينما أصاب القومَ السعارُ وصاروا يكذبون ويفترون على الإسلام والمسلمين المفتريات ويسبّون من لا يستحقون أن يقبّلوا حذاءه وأنشأوا لذلك قناة فضائية تبث سفاهتها على الملايين لم يبادلهم هؤلاء العلماء سَبًّا بسبٍّ. ومع هذا يكذب العبيط ابن العبيطة وأشباهه من العبطاء أولاد العبيطات فيدّعون أنهم إنما يقابلون بقلة الأدب والبذاءة ما يصنعه علماء المسلمين معهم. والواقع أن قلة الأدب والتمرد ديدنهم طوال تاريخهم معنا، فهم لا يسكنون ويسكتون ويتظاهرون بالوداعة إلا حين يكون المسلمون أقوياء أعزاء. فإن شاموا منهم ضعفا انقلبوا عليهم وأطلقوا ألسنتهم فى أعراضهم وفى حق نبيهم وفى الله ذاته سبحانه وتعالى، ولجأوا فى كل ذلك إلى الأكاذيب والعبث بالقرآن، مدللين بهذا على صدق ما رماهم به الكتاب المبين من تحريفهم لوحى السماء. وما “الفرقان الحق” و”القرآن الشعبى” ببعيد. وهو ما يثبّت المسلمين على دينهم ويؤكد لهم أن القرآن لم يقل فى القوم إلا حقًّا وأن إنكار أولئك السفهاء لهذا الاتهام إنما هو إنكار كل قاتلٍ زنيمٍ لجريمته أمام القاضى.

قلة الأدب التى يمارسها يوتا ابن العبيطة تُضَادُّ نصوص الأناجيل التى تأمر أتباعها بالخضوع لحكامهم وتأدية الجزية لهم فى صمت ودون شغب وتدعوهم إلى أن يقابلوا اللطم على الخد الأيمن بإدارة الخد الأيسر لتلقى لطمة أخرى دون أن ينبس الواحد منهم ببنت شفة، فضلا عما لا يكفّون عن إزعاج الآخرين به من أن دينهم ليس له مثال، إذ هو دين المحبة والسلام ومقابلة الأذى والعدوان بالصفح والغفران. وهذا إن كان هناك من يؤذيهم، أمّا والمسلمون لا يمكن أن يمسّوا المسيح ولا أمه ولا حوارييه بكلمة مسيئة واحدة ولم يقع من أى منهم شىء من هذا، فمن الواضح أن هذا العبيط ابن العبيطة قد خرج على النصوص الإنجيلية التى يشهرونها فى وجوهنا صباحا ومساء. لكن هناك جانبا آخر لا يشيرون إليه عادة، وهذا الجانب يتمثل فى طول لسان يسوع على اليهود الذين كان يصب عليهم اللعنات صبا، وعلى السامريين الذى شبههم بالكلاب، وعلى أتباعه أنفسهم بما فيهم الحواريون، الذين رماهم بقلة الإيمان وبالنفاق وقال عن كبيرهم إنه شيطان، وعلى أمه ذاتها وإخوته. فهم إذن تلاميذ أوفياء لهذا الميراث الذى يعملون على التعتيم عليه ولا يحبون الحديث فيه.

يوتا ابن العبيطة يفترى الكذب على التاريخ فيروح يتخيل ما لم يحدث قط، أما زيدان فقد التزم بالتاريخ كما قرأه هنا وهناك. فهل هناك كتاب واحد أو رواية واحدة اعتمد عليها ذلك التيس ابن التيس على ما قاله فى حق النبى الكريم وأمه الشريفة العفيفة وزوجاته الطاهرات النبيلات؟ هذا هو الفرق بين كاتب مسلم لا يعرف سوى الصدق منهجا له عند الكتابة عن النصرانية، وكاتب نصرانى لا يجد أمامه عند الحديث عن الإسلام إلا الكذب والاختراع. ولكن ما الغرابة فى هذا، والقوم قد مَرَدُوا على التحريف والتزييف واختراع الأقاويل ونسبتها إلى الله والزعم بأنها وحى السماء؟

تدّعى الحدوتة التى كتبها بحوافره يوتا ابن العبيطة أن بحيرا كان يوالى النبى بالوحى ليل نهار، مع أن بحيرا لم يلقه صلى الله عليه وسلم إلا مرة فى صباه وشهد له بالنبوة، بغض النظر عن صحة الرواية التى ذكرت هذا أو لا، وكان ذلك على مرأى ومسمع من القرشيين الذين كانوا معه فى القافلة، ثم لم يلتقيا بعد هذا قط. لكنه الكذب المفضوح الذى ليس عند القوم سواه بسبب إفلاسهم وانهتاك أمرهم وحيرتهم وضلالهم وطمس التعصب المقيت لعقولهم الزنخة.

يقول يوتا ابن العبيطة إنه تعمَّدَ أن يخطئ فى اللغة العربية التى كتب بها حدوتته لكراهيته لتلك اللغة. وهذا حمق منه، وإلا فهل هناك عاقل يتفاخر بالخطإ؟ لقد تعلمنا مثلا لغة الإنجليز، الذين كانوا يحتلون بلادنا وسلموا فلسطين غنيمة باردة لليهود، وكانوا ولا يزالون يعضدونهم ضدنا ويمدونهم بالسلاح ويصوتون دائما لصالحهم فى المحافل الدولية، ولا يكفّون عن إذلال المسلمين والعمل على إضعافهم، لكن ذلك كله لم يدفعنا إلى توخى الخطإ عند الكتابة أو الحديث بتلك اللغة، بل كنا نحاول بلوغ أعلى المستويات فيها، لأن الجودة فى أى مجال لا تعاب، فإن عابها عائب فهو أحمق سفيه كيوتا ابن العبيطة. والواقع أن ابن العبيطة لم يتعمد الخطأ فى لغة القرآن، الذى يؤرقه ويطير النوم من عيونه، بل هو بطبيعته غبى بليد لم يُؤْتَ القدرة على الإتقان، فكان كالثعلب الذى نط كى ينال عنقود العنب المتدلى من شجرته، لكنه لما لم يستطع الحصول على العنقود عاد يقول: إن العنب لم ينضج بعد وإنه لا يزال حِصْرِمًا! فابحث لك إذن عن عذر آخر يا ابن العبيطة! وعلى أية حال فاللغة العربية لغة شريفة راقية لا يمكن عبيطا ابن عبيطة مثلك أن يتقنها!

وتبدأ رواية “تيس عزازيل فى مكة” بطقس وثنى، وهو إحضار الكاهن اليهودى كبشا من الكباش لتحميله أوزار بنى إسرائيل، مما لا يمكن أن تقول به شريعة ربانية. وقد أتى الإسلام بما يقضى على كل تلك الوثنيات معلنا أن الذنوب إنما يتحملها صاحبها وحده، ولا يمكن أن يحاسَب عنها أى شخص آخر، فضلا عن أن تتحمل مسؤوليتها الحيوانات المسكينة، وأن من السهل جدا تخلص صاحب الذنب من ذنبه إذا ما ندم عليه واستغفر ربه. ولنلاحظ أن النصارى يقولون إن المسيح إنما نزل من علياء الألوهية ومات على الصليب فداءً للبشر من الخطيئة الأولى التى ارتكبها آدم، بخلاف الإسلام، الذى يقرر أن الله سبحانه وتعالى قد غفر لآدم ذنبه وتاب عليه بعدما تنبه إلى زلته واستعفى الله فعفا عنه بواسع كرمه وفضله، ومن ثم لم تكن هناك حاجة إلى كل هذه اللفة الطويلة المعقدة المزعجة والمخزية التى لا تليق بمقام الألوهية المتعالى. ولنلاحظ أيضا كيف أن المسيح يسمى فى بعض نصوص العهد الجديد بــ”الخروف”. فمن الواضح إذن أن إلههم هذا هو امتداد لتيوس بنى إسرائيل التى كانوا يحمّلونها ذنوبهم كما جاء فى الإصحاح السادس عشر من سفر “اللاويين”. والعجيب أننا إذا أرنا التحقير من قيمة إنسان قلنا عنه إنه تيس أو خروف، أما القوم فإنهم يجعلون من الله، الله ذاته لا إنسان حقير، خروفا. هنيئا مريئا لهم، ومبارك عليهم إلههم الخروف!

يتبع بإذن الله مع يوتا ابن العبيطة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: